• الإثنين 3 أكتوبر

قرع قَدميّ الرّجُلُ.. (الختّان)

حدثني زميل لي تربطني به صداقة متينة للغاية؛ قال: في أواخر خريف عام 1396هـ تم استدعاء الرجل المشهور بختان الأطفال بالقرية وكان مشهوراً بامتهان هذه المهنة بحرافة، ولا يأخذ مقابل هذه المهنة بل يبتغي أجرها من الله كما هي طبائع البادية، وحيث كان الناس آنذاك لا يعرفون المستشفيات إلا ما ندر، أو في مصيبة كبيرة لا سمح الله..

الغرض من استدعائه ختان أخي الأصغر، حضر الرجل الطيب الوقور وقام بإجراء عملية الختان على الفور ، وأثناء إجراء العملية نظر إليّ خلسة وهمس في أذن والدي وقال بدون مقدمات: ( نبي نختن الشاطر هذا ) وأشار إليّ بيده ؛ قال المتحدث وهو آنذاك طفلاً صغيراً أيضاً؛ ومن هذه اللحظة أدركت أني واقع في هذا الفخ لا محالة وحسبت له ألف حساب ..!! ..

بدأت أتوجس وأراقب الموقف بحذر، وبعد الانتهاء من عملية الختان اصطحبه أبي إلى دكة داخل حوش المنزل وتناولا فنجاناً من القهوة والشاي وتبادلا أطراف الحديث الماتعة..

قال: فحكمتني قناعة تامة أن أبي سيناديني حالاً وسيجري عليّ ما جرى على أخي الأصغر، فهربت إلى خارج البيت، وكانت هناك غرفة خارجية لها فتحة بقدر حجم شباك يخزن فيها ( التبن والبرسيم ) ادخاراً للأيام العصيبة ، وكما هي معروفة تلك الطريقة عند القدماء ؛ قال: قفزت داخل الغرفة عبر الفتحة الصغيرة انتظر مغادرة الرجل بفارغ الصبر ..!!!.. طال الوقت وسئمت الانتظار، حواسي الخمس تعمل جاهدة طيلة تواجدي بالغرفة المليئة بالحشائش وربما أنه على الأقل هناك ثعبان مختبئ تحت الحشائش اليابسة..

لم أعد سماع اشتغال محرك سيارته، فظننت أنهما يجهزان العدة، فحبست أنفاسي لألتقط كل ما يصدر مما يثير الريبة من داخل البيت أو حواليه، ولكن ليس هناك سوى السكون والهدوء؛ وما زالت سيارة الرجل متوقفة بطريقة غير نظامية عند مدخل البيت، وباب السائق مفتوحاً تأرجحه الرياح، خيم السكون داخل البيت، وليس من العادة أن تستمر الأحاديث أكثر من هذا الوقت، فأصبح لدي يقيناً تاماً أنهما يبحثان عني داخل البيت، وما هي إلا لحظات وإذا بطأطأة أقدام تدق بناقوس الخطر بأذني تمشي ببطء بجانب الجدار، فقفزت خلف خريطة كبيرة معبأة ( تبناً ) يابساً غير آبهٍ بما تحتها، فحبست أنفاسي رغم اضطرابها من الداخل ..

توقفت طأطأة الأقدام برهة من الزمن ثم ظهرت مجدداً ، فتيقنت يقيناً أنه الرجل قد عرف مكاني وسوف يخرجني من الغرفة ويضعني على القدر المقلوب وتتم مساواتي بأخي ، ما زال الصوت يقرب من فتحة الغرفة شيئاً فشيئاً ، وكلما اقترب الصوت زادت نبضات القلب ، وزاد التوتر، لم أعد أسمع طأطأة الأقدام فقلت في نفسي لعله يأس مني وذهب ، فبدأت تنقص نبضات القلب ، وفجأة ظهرت طأطأة الأقدام وكان الصوت قريباً جداً من فتحة الغرفة فاضطربت اضطراباً غير معهودٍ ، فكنت مسمراً عيني بالفتحة فحل علي الضباب لم أعد أرى شيئاً من الرهبة ؛ فآمنت بحتمية المصير المشئوم، كانت عيني متصلبة على الفتحة؛ أتخيل ولوج رأس الرجل بالغرفة، فيتراء لي ذلك..

وفجأة أطلقت ماعز ثغاءً بالقرب من الغرفة وتبين لي أن طأطأة الأقدام لها وليس للرجل ( المطهّر ) كما توهمت، كونها تلتقط الحشائش الساقطة على الأرض حوالي الغرفة ..

وما هي إلا لحظات ويخرج ذلك الرجل الوقور من داخل البيت وهو يتبادل الأحاديث الودية مع أبي، ويدير محرك سيارته القديمة ويعود من حيث أتى، خرجت من الغرفة جرياً قبل أن أثير انتباه والدي إلا أنه من ( قرادة ) حظي شاهدني وأنا أقفز عبر فتحة الغرفة، فنظر لي نظرة مريبة فقال وباللهجة المحلية:..( وش اللي مدخلك بالغرفة ) ؛ فقلت : ألعب ، فقال كلمته التي تمنيت أني لم أسمعها .. ( متى عمرك لعبت بهالغرفة يا طقعان) وركب سيارته وأدار محركها وغادر؛ لا أدري أين هو ذاهب ، فأحسست أني تسرعت بخروجي من الغرفة وعضيت أصابع الندم إلا أن كل شيء انتهى ؛ ليس بمقدوري فعل أي شيء، فانتابني حرج شديد ..

انتهت قصة زميلي الموقر …