• الأربعاء 5 أكتوبر

داء الأمم

الحسد مرض العصر وهو موجود في كل زمان ومكان ، وفي كل المجتمعات ، والشخص الناجح والمتميز في عمله أو دراسته أو تجارته أو بين إخوته أو في حياته الأسرية أو الاجتماعية له أعداء يكرهون نجاحه وتميزه وهؤلاء يسمون: “أعداء النجاح” لأنه لا يوجد نجاح بدون كد وتعب ، ولا يوجد نجاح بدون دفع ضريبة ، وكل عمل يعمله الإنسان وينجح ويبدع فيه يسبب الحسد والغيرة لمرضى القلوب والأرواح ، وتشتعل قلوبهم ناراً موقدة وهم أول من يحترقون بها ، قال الحكماء: لله ما أعدل الحسد بدأ بصاحبه فقتله ، لأن الحسود والحقود يموت كمداً وحسرة من نجاح الآخرين فهو يشعل فرن من نار في قلبه وأول من يحترق به هو ؛ والحسود يصاب بالهموم والغموم والأحزان ويأثم بها ولا يؤجر عليها ، لأن بعض البشر همهم وشغلهم الشاغل زوال النعمة عن الناس وتشويه سمعة الناجحين ، وقد ذم الله تعالى الحسد في القرآن الكريم، قال سبحانه: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ). النساء 54 ، وقال عز وجل: (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ). الفلق 5 ،قال الحسين بن الفضل رحمه الله: (إنَّ الله جمع الشرور في هذه الآية وختمها بالحسد ليعلم أنه أخسُّ الطبائع) ، وقد نهى وحذر الرسول صلى الله عليه وسلم من التحاسد أشد تحذير وأخبر أنه داء الأمم وأخبر أنه يأكل الحسنات بقوله: (لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث). رواه مسلم ، وقوله عليه الصلاة والسلام : (إياكم والحسد ؛ فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب) . رواه أبو داود ، قال العظيم آبادي رحمه الله: (إياكم والحسد. أي: احذروا الحسد في مال أو جاه دنيوي؛ فإنَّه مذموم، بخلاف الغبطة في الأمر الأخروي.فإن الحسد يأكل الحسنات. أي: يفني ويذهب طاعات الحاسد).

والحسد هو تمني زوال نعمة الغير، والحاسد معترض على قضاء الله وقسمته لعباده ، قال صلى الله عليه وسلم: (لا يجتمعانِ في قلبِ عبدٍ الإيمانُ والحسدُ) ، حسنه الألباني في صحيح النسائي.
والواجب على الإنسان عند رؤية أثر نعمة أو فضل على نفسه أو غيره أن يقول “ما شاء الله لا قوة إلا بالله ويبارك لصاحبها ويذكر الله ” ، قال جل وعلا: (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا). الكهف 39 .

ويجب على الإنسان وقاية نفسه من الحسد باستمرار بتلاوة القرآن والمحافظة على الأذكار والتحصين والاستعانة على قضاء حوائجه في الكتمان والاعتراف بأن النعمة والفضل من الله جل وعلا فهو وحده واهب النعم ومسبب الأسباب ، وأن يتوكل على الله ويعمل بجد واجتهاد ويؤمن بأنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له.
فاحذروا الحسد فإن عقوباته خطيرة فهو أول ذنب عُصي الله به في السماء بعد الكبر ، فإبليس أمره الله تعالى بالسجود لآدم عليه السلام فحسده وأبى أن يمتثل أمر الله بالسجود له قال سبحانه: (إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ). البقرة ٣٤ ، والحسد أول ذنب عُصي الله به في الأرض فقابيل ابن آدم حسد آخاه هابيل فحمله حسده إياه على قتله قال عز وجل: (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ). المائدة ٣٠.

قال أبو الليث السمرقندي رحمه الله: (يصل إلى الحاسد خمس عقوبات قبل أن يصل حسده إلى المحسود، أولاها: غم لا ينقطع، وثانيها: مصيبة لا يُؤجر عليها، وثالثها: مذمة لا يُحمد عليها، ورابعها: سخط الرب جل وعلا، وخامسها: يغلق عنه باب التوفيق).

وعلاج الحسد أن يرضى الإنسان الحاسد بما قسمة وكتبه الله تعالى له من الأرزاق وينظر إلى من هو دونه ولا ينظر إلى من هو أعلى منه لكي لا يزدري نعمة الله عليه ويحمد الله على النعم الكثيرة التي هو يتنعم بها من الصحة والعافية والزوجة والأولاد والمسكن والمركب والمطعم والمشرب وغيرها ، واقترح لعلاج الحسد في بيئات العمل وخلق جو صحي جميل بين الموظفين في الوظائف الحكومية والقطاع الخاص إنشاء إدارة باسم: “الإدارة العامة للخدمات الاجتماعية” وتكون مهمتها تقوية العلاقات الاجتماعية وأواصر الأخوة والمحبة والتعاون بين الموظفين وردم الفجوة التي تحدث في بيئة العمل التي تسبب الغيرة والتنافس والحسد ، والتنسيق مع المدراء والمسؤولين لتقديم جوائز للموظفين المثاليين ، وعمل رحلات وأنشطة رياضية جماعية للموظفين ، وعمل مسابقات وبرامج متنوعة ، وتقديم هدايا تشجيعية خارج وقت الدوام الرسمي للموظفين لكسر الحواجز النفسية وإزالة ما في قلوب بعض الموظفين من الحسد لبعضهم.