• الإثنين 15 أغسطس

المجلدات التي كادت أن تقتل مؤلفها

قصة قرأتها وراقت لي رغم أني لم أتحقق من صحتها إلا أنني أجزم كل الجزم إن لم تكن صحيحة فهناك قصص كثيرة مشابهة لها حدثت وستحدث مثلها الكثير من القصص المختلفة، مكائد النساء مشروع مستمر إلى ما لا نهاية أو ربما إلى قيام الساعة، مضمونها أن هناك رجل(مقرود) في قديم الزمان أقسم أن لا يتزوج إلا بعد أن يؤلف كتاباً وبه يحصي جميع مكائد النساء، فأخذ الرجل يجمع القصص من هنا وهناك، واضطر أن يسافر إلى البلدان المجاورة ليجمع أكبر عدد من مكائد النساء.

فألف في غربته جميع القصص التي حصرها في عدة مجلدات وعاد إلى قريته، وكان طريقه يمر في قرية يعرف شيخها فأراد أن يمره ويسلم عليه ويتبادل معه الأحاديث الودية، وأيضاً يستريح من عناء السفر، وصل إلى بيت شيخ القرية ومن حسن حظه أنه موجود فرحب به ترحيباً يليق بمقامه فقام بضيافته وإكرامه، وأقسم الشيخ على ضيفه أن يبيت ليلته بضيافته، فوافق الضيف بشرط أن يكمل سفره مع شروق الشمس فوافق الشيخ، فنادى الشيخ زوجته وقال لها: رتبي حجرة الضيوف وأكرمي ضيفنا، وبعد أن تبادلا أطراف الحديث أراد الضيف أن يستريح من عناء السفر فدخل الحجرة ومعه مجلداته فأخذ يتفحص ويراجع مجلداته فدخلت عليه امرأة الضيف تحمل جرة ماء للشرب فرأته منهمكاً في مجلداته.

دفعها فضولها لمعرفة أمر هذه المجلدات فقالت ما هذا؟!! .. فأجابها: وبكل غطرسة دون أن يلتفت إليها هذه كتبي جمعت فيها كل مكائد النساء، وكان مشغولاً في مجلداته فحقدت عليه؛ في دارها ومتغطرس ونهايتها أمر سخيف بالنسبة لها، فاعتبرت أن كل تصرفاته إهانة لها ولجميع النساء، فجزمت أن تلقنه درساً يخسف به سبعين متراً في الأرض ويبقى درساً له ولمن هم من نفس طينته إلى يوم خروج الشمس من مغربها، فسكتت برهة من الزمن والشرر يتطاير من عينيها، فأخذت تمشي ببطء داخل الغرفة وكشفت بعض ملامحها وهي من أجمل نساء القرية، فاستغرب الضيف أن المرأة لم تخرج من الغرفة فرفع رأسه ولما رآها انبهر من جمالها فلم يرى هذا الجمال في حياته قط، فلما عرفت أنها بهرته ابتسمت وجلست بجانبه، أما هو فوضع ريشته وكأنما غشيته سكينة، فهي تأسر قلوب العابرين وتسر النظارين، ممشوقة القوام ذو شعر أشقر مفتول حاوية كل أصناف الجمال.

أدركت أن الخطة في مسارها الصحيح فحادثته بصوت رقيق مغلف بالمكر والخديعة: زوجي شيخ كبير وأودّ بصحبتك إن أمكن؛ فارتجف الرجل فعرفت أنه وقع في شباكها، فقالت: تعال إلى فقام وضمته بقوة حتى كادت أن تكسر أضلاعه فدفعته بسرعة فسقط على إناء طعام قد وضع بجانبه سابقاً، فكشرت عن أنيابها فقالت: ما رأيك يا غدار يا بائس أن أصيح على من في الخارج فيأتوا ويقتلوك شر قتلة، فأخذ يتوسل إليها أن تستره ويناديها بأميرة العرب والشيخة، كبريائه وغطرسته السابقة ذهبت مع مهب الريح، فجأة صاحت بأعلى صوتها وخرجت من عنده، هنا أدرك أن الفضيحة غطته من أخمس قدمه إلى رأسه ثم يلي الفضيحة ميتة غير مشرّفة.

سمع الجيران وزوجها في الخارج استغاثة المرأة، فهرعوا إلى داخل البيت يستطلعون الأمر فدخلوا حجرة الضيف فرأوا الضيف قد وقع على ملابسه شيء من الطعام فقالوا ما هذا فتلعثم لا يدري ماذا يقول؟ فدخلت عليهم المرأة لتصرف أنظارهم عنه خشية أن تنكشف المكيدة كونه في وضع لا يحسد عليه، فقالت لزوجها بصوت ضعيف مكسور أتيت بطعام إلى الضيف وبعد أن وضعته دخل عليّ فأر فرفست الضيف فوقع على الطعام وودت يا شيخ أن تعتذر لي من الضيف حيث أني آذيته من غير قصد.

فخرج الناس بعد استطلاع الأمر وامر الشيخ زوجته أن تأتي بملابس للضيف وتنظف غرفته، وعندما تأكدت بعدم قرب زوجها من حجرة الضيف استدارت المرأة جهة الضيف فقالت له: اعلم يا غبي أنك لم تتعلم مكائد النساء بعد!! فو الله لو عشت عمر نوح وكنت ذا مالٍ مثل قارون ما كتبت ربع مكائد النساء، فبدأ يعتذر لها بانكسار ويتوسلها بالعفو عنه فخرجت من عنده فكانت ليلته أبأس ليلة مرت عليه بحياته فلم يذق للنوم طعماً ينتظر الصباح بفارغ الصبر، ومع الشروق حمل كتبه المشئومة على دابته واستأذن مضيفه وغادر القرية على عجل.

وبعد خروجه من القرية بمسافة أوقف دابته ورمى حاوية كتبه على الأرض بغضب، وأخرج أول كتاب وهو يحدث نفسه ويهز الكتاب بقوة ويردد (اللعنة، اللعنة، اللعنة) وحذفه بعيداً قدر ما استطاع، واخرج بقية الكتب وحذفها أبعد ما استطاع يميناً وشمالاً وهو يردد بغضب (اللعنة، اللعنة، اللعنة) ومن شدة غضبه جمعها مرة أخرى وأضرم النار بها وألحقها المحبرة وكل ما يتعلق بمشروعه الذي أفشلته امرأة الشيخ في مهده في بضع ساعات قبل أن يبصر النور، فألقى نظرة وداعية على مجلداته بعد أن أصبحت رماداً ويقول: كدتِ أن تلبّسيني فضيحة وتليها قتلة مشينة، فامتطى دابته يجر أذيال الخيبة، حزيناً على ما أصابه، وانقطعت أخباره فلم نعلم عنه كيف عاش حياته بعد الكارثة، وهل تزوج أم لا؟ اختفى مع مشروعه الفاشل الذي كاد أن يورده مقابر الموتى..!!

نحن معاشر الرجال لنا عبرة من هذه القصة فمهما ادعينا المثالية وظنينا أننا أتقياء نبقى ضعفاء أمام إيحاءات الأنثى الإغرائية إلا من يثبته الله، فليست لدينا عصمة كعصمة الأنبياء عليهم السلام أو إيماناً كإيمان صاحب الصومعة جريج، فلا أمان من هذه الفتن إلا بالابتعاد عن مواطن الشبهات، كم من عاقل لا يهتزّ مال به هوى الأنثى.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.